محمود سالم محمد

13

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

نعم إن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حق الحمد أو المدح على الناس ، وهو الذي أثنى عليه اللّه تعالى في كتابه العزيز ، وهو الذي شجع الشعراء على أن يرتقوا بفنهم إلى آفاق إنسانية رحبة ، ووجههم نحن الحق والخير بالقول والفعل ، فقال : « إن من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكمة » « 1 » . ورمى إلى كعب بن زهير بردته حين مدحه ، وكان إذا أنشد حسان شعره يشرق وجهه الكريم ويدعو له ويشجعه ويثيبه ، وكذلك كان يفعل مع عبد اللّه بن رواحة وكعب ابن مالك . فكان المديح النبوي الفن الشعري الصادق الذي لا يخالطه رياء ولا يشوبه غرض ، وكان المديح النبوي المضمون السامي لشعر انتشر انتشارا كبيرا بين الناس . لقد عرف المديح النبوي منذ بعثة رسول اللّه هاديا ونذيرا ، ونظمه الشعراء من الصحابة وشعراء العصور اللاحقة ، لكنه لم يصبح ظاهرة متفردة إلا بعد مدة طويلة من الزمن ، ولم يستقر ويتكامل إلا في العصر المملوكي ، أو قبيله بقليل ؛ إذ أضحت له قواعده وأصوله ، وتقاليده المعنوية والفنية . لقد كانت المدائح النبوية أرقى الفنون الشعرية في ذلك الوقت ، وأكثرها سيرورة وتأثيرا ، فجمعت بين الفن الرفيع والقبول العام ، تذاكرها الناس على اختلاف مشاربهم وتباين ثقافاتهم ، ورددوها وحفظوها . لذلك كله ، استحق فن ذلك العصر ، المدائح النّبوية ، دراسة شاملة ، تخلّصه من أي لبس يحيق به وبحقيقته ، وتظهر تأثيره وجماله ، وتبرز ماله من انتشار وفاعلية ، ما زالت حية بيننا ، وأظنها ستظل كذلك إلى أن يرث اللّه الأرض وما عليها .

--> ( 1 ) الحديث صحّحه السيوطي في الجامع الصغير 1 / 331 .